القائمة الرئيسية

الصفحات

المناظرة لغة واصطلاحا مفهوم

المناظرة لغة

عرف الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت170ه) بقوله :" أن تناظر أخاك في أمر إذا نظرتما فيه معا كيف تأتیانه. وتعريفه هذا أقرب إلى المعنى الاصطلاحي للمناظرة منه إلى اللغوي كما سيتضح بعد. يقول ابن فارس (395ه):" النون والظاء والراء أصل صحيح يرجع فروعه إلى معنى واحد، وهو تأمل الشيء ومعاينته ثم يستعار ويتسع فيه "2 يعبر ابن فارس بالتأمل إلى عمل العقل، وبالمعاينة إلى عمل العين الجارحة. وقال الراغب (ت502ه):" النظر : تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته. "3 وسار في تعريفه هذا على شاكلة تعريف ابن فارس؛ حيث استعاض عن التأمل ب(البصيرة) وهي الته، او عن المعاينة ب (البصر) وهي ألته أيضا، ثم أكد هذا المعنى بعد حين علل عمل البصر والبصيرة بالإدراك والرؤية، ولو أنه قدم ذكر الرؤية عن الإدراك لكان أنسب لترتيب الكلام، فتأمل.
 وعليه، فإن "المناظرة" مفاعلة، من فعل "نظر" الذي يفيد في وضعه اللغوي عدة معان، منها:


  •  الإبصار والرؤية بالجارحة ( للحسيات). .
  • التبصر والتأمل بالعقل ( للعقليات) وهو المسمى عندهم تدبرا وتفكرا.

 وإذا التفتنا في تعريف المناظرة لغة إلى مقتضى صيغتها (مفاعلة) وجدناها تحتمل ذات المعنيين، فتفيد تبادل النظر بين اثنين أو أكثر وهو المعنى الحسي، وتفيد المباحثة في القضايا، والمجاذبة في الرأي، وتقليب وجوه الحجاج بين المتنازعين؛ وهو المعنى العقلي، ويحصل من هذا أن يكون معنى المناظر: المجادل والمحاجيج. وأما الانتظار فليس من معاني مادة نظر، لأن أصله رباعي من (أنظر)، كما في قول الله تعالى (أنظرونا) 

المناظرة اصطلاحا:

عرفها الجرجاني (ت816ها) بقوله:" هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارا للصواب " والملاحظ أن الجرجاني قد أخرج في تعريفه الاصطلاحي النظر الحسي .. وقصره على النظر المعنوي الذي هو من عمل العقول.

ومن أحسن تعريفات المناظرة في الاصطلاح عند المتأخرين تعريف محمد الأمين الشنقيطي (ت 1325ه)، قال رحمه الله تعالى:" المحاورة في الكلام بين شخصين مختلفين يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله، وإبطال قول الآخر، مع رغبة كل منهما في ظهور الحق.

لماذا المناظرة ؟

فقد شاء الله تعالى أن يجعل الناس مختلفين في أشكالهم وألوانهم وأجناسهم والسنتهم وصنائعهم وعوائدهم وأرزاقهم، وامتد ذلك إلى أن مس ميولهم الفطرية، ومفهومهم العقلية، وطبائعهم النفسانية ... وإذا تأملت حقيقة هذا الاختلاف وجدته لطبائع النفوس أصلح، ولأحوال العيش أنفع وأمتع؛ فلو تطابق البشر في الهيئات والأحوال التناكران، ولو تناكروا لتنافروا، ولو تنافروا ما تعارفوا ولا تعاونوا، وإذا لضاعت كثير من مقاصد شريعة الإسلام.


وقد نطق الكتاب – وصدقته السنة - بكثير من مقاصد خلق الناس مختلفين؛ فمن ذلك: إحداث التعارف بينهم، وإحلال الأنس فيهم، وإيداع المودة في قلوبهم، وإشاعة الرحمة في سائر مواقع وجودهم، وتيسير تعاونهم، واختبارهم بإقامة الحجة عليهم؛ فالدنيا دار ابتلاء، وإظهار افتقارهم لبعضيهم، إشعارا لهم بضالتهم، وتحفيزهم على الترقي في مدارج العلم والعمل، يقلبون النظر في البينات ويستبقون عمل الصالحات 


ولما كان الاختلاف سنة في الخلق جارية وتنشئة على عقولهم سارية؛ كان من لوازمه حصول تجاذب العقلاء، وكثرة تناظر العلماء، فهم منذ فاتحة الإسلام يتنازعون في دقائق العلوم، وتدافعهم في تصحيح المفهوم  وحاصل أمرهم هذا إذا تأملته وجدته طريق مختصر معتبر في بيان مشروعية الجدل، وتفصيل الكلام في هذا، . وإلحاق شواهده به، يأتي بعد إن شاء الله تعالی .


ومن أجل ضبط طرائق المناظرة، وتيسير سبل بلوغ الحق، دأب أهل العلم على وضع مصطلحات لهذا العلم مخصوصة، وأقاموا له قواعد بهية مضبوطة، وشده بأمتن الحبال، وحلوه بما يلزم من جميل الخصال ورفيع الآداب والخلال، وحذروا ذوي المقاصد الشنيعة من اقتحام عتبة الشريفة وروضته المنيفة، فبينوا أحكام تعلم أصول الجدل والخوض فيه ... وكدوا في سبيل ذلك. وأبدعوا حتى خرجوا عليها بعيون المناظرات ورائق المجدالات، تأمل في ذلك قول ابن خلدون في مقدمته: "فإنه لما كان باب المناظرة في الرد والقبول متسعا و كل واحد من المتناظرين في الاستدلال و الجواب يراسل عنانة في الاحتجاج ومنه ما يكون صوابا ومنه ما يكون خطا اتاج الائمة الى ان يضعوا آدابا وأحكاما يقف المتناظرين عند جدودها في الرد والقبول وكيف يكون حال المستدل والمجيب وحيث يسوغ له ان يكون مستدلا ولذلك قيل فيه انه معرفة بالقواعد من الحدود والادب التي يتواصل بها الى حفظ رأي أو هدمه .
reaction:

تعليقات