اللغة والتواصل : مفهومها - وظائفها - فصائلها


اللغة هبة من الخالق :

خلق الله عز وجل ان الإنسان و میزه بفضيلة النطق و البيان، وسخر له نعمة الكلام كي تكون وسيلته إلى التعبير عن مكونات نفسه، وسبيلا إلى معرفة خالقه، وطريقا إلى فهم ما يدور حوله، وعونا للبشر ليتعارفوا فيما بينهم، و لذلك جعل الله في اللغة ثاني نعمة له بعد نعمة الخلق، فقال عز شأنه: « الرحمن علم القران خلق الإنسان علمه البیان }


اللغة -إذن- منحة ربانية، وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بعقل الانسان وتفكيره، حيث تختزن في دماغه، ثم تنطلق على لسانه في سلسلة من الأصوات المتابعة المسموعة للكون كلمات ذات معان متعارف عليها بين فئة من الناس، توجدهم عوامل بيئية مشتركة، بها تواصلون، فيحصل بينهم الإفهام والتفاهم، شريطة أن يلتزموا بقوانين هذه الوسيلة النافعة في التخاطب.


 واللغة بهذا المفهوم عنصر فعال في التواصل بين أفراد المجتمع الواحد، يتناقلون عن بعضهم المشاعر والمعارف والمنافع. وليس هذا التواصل مقصورة على متحدثي اللغة الواحدة بل يربطهم بالآخرين ممن يتعلمون لغتهم. 


واللغة أيضا كالكائن الحي، تنمو وتشب وتشيخ، وقد تموت إذا لم تهيأ لها عوامل الحياة وأسباب الاستمرار، وهي رهينة في ذلك بتنوع الأوضاع الدينية والسياسية والاجتماعية والعلمية، فعندما يتطور المجتمع حضارية تطور اللغة، ويحصل العكس إذا انحط. وفي هذا الشأن يقول الإمام ابن حزم (384 - 456 ه) وهو يتحدث عن كيفية ظهور اللغات: من هنا


ولا ريب أن اللغة في شكليها المنطوق والمكتوب أداة عجيبة، تنتقل بها الأشياء التي تقع عليها حواسنا إلى أذهاننا، وهي الجسر الذي يصل بين الحياة والفكر، تسبق أحيانا وجود الأشياء وتلحقها أحيانا أخرى. وليس كل من يستعمل اللغة عالما كان أم جاهلا - عرف گله هاته النعمة التي يسرها الله لعباده؛ فقد يهتدي الإنسان إلى معرفة نحوها  وصرفها وادابها لكنه عاجز عن معرفة مصدر هذه الألفاظ ونشأتها، وعلاقتها بالمعاني أثابتة هي أم مغيرة؟ وهل توجد قوانين تنطبق على اللغة أيا كانت في جميع العصور وقوانين تسيطر على اللغات بصورة عامة كما تسيطر قوانين الطبيعة في كل مكان .


اللغة أداة معقدة

واللغة أخيرة أداة معقدة وليس من السهل دراستها، فهي ذات جوانب متعددة، وتأخذ باختلاف الأزمان أشكالا متنوعة بتنوع البيئات والمجمعات. وقد استحوذت على اهتمام الدارسين على تنوع مشاربهم- منذ القدم ، فحاولوا سبر غورها، ومعرفة جوهرها وطبيعتها ، ودراسة جوانبها المختلفة، وكل بنسب الفضل في ذلك له، ويدعي السبق إليه. إن اللغة كما يقول اللغوي الفرنسي "ج. فندرس Joseph Vendryes ( ۱۹۹۰- ۱۸۷۵ م)معقدة complete فهي تمس فروعة معرفية مختلفة، وتعني بها طوائف متفرقة من العلماء . فهي فعل فسيولوجي (مادي) acre physiologique من حيث إنها تدفع إلى العمل عددا من أعضاء الجسم الإنساني، وهي فعل نفساني atte psychologique من حيث إنها تستلزم نشاطا إراديا للعقل. وهي فعل اجتماعی acte social من حيث إنها استجابة للجامعة الاتصال بين بني الإنسان. ثم هي في النهاية حقيقة تاريخية fait historique لا مراء فيها ، نعثر عليها في صور متباينة وفي عصور بعيدة الاختلاف، على سطح المعمورة قاطبة .


 ومن ثم كان لنا أن تصور دراسة للغة يقوم بها : عالم من علماء وظائف الأعضاء playsiologise ، فيصنف الطرائق التي تؤدي بها أعضاء الكلام وظيفتها ، أو عالم من علماء النفس، فيحلل حركة التفكير مهتديا بنتائج علم الأمراض العقلية panthologie mentate. أو عالم من علماء الاجتماع فيظهر لنا أثر التنظيم الاجتماعي في تطوير اللغات . أو مؤرخ فيصنف اللغات في أسر، ويحدد توزيعها الجغرافي . كل واحد من هؤلاء العلماء يستطيع أن يكتب كتابا يدخل في علم اللغة، ولو أن نقطة البدء التي صدر عنها توجد خارج هذا العلم، والنتائج التي يصل إليها تمتد حتى تخرج من حدوده.